عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

401

اللباب في علوم الكتاب

المشهوران ، ولم يذكر الزّمخشريّ غير هذا الوجه « 1 » . الثاني : أنّها في محل نصب على الحال ، والتّقدير : وأيّ شيء لكم تاركين للأكل ، ويؤيّد ذلك وقوع الحال الصّريحة في مثل هذا التّركيب كثيرا ، نحو : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [ المدثر : 49 ] ، إلّا أن هذا مردود بوجهين : أحدهما : أنّ « أن » تخلّص الفعل للاستقبال ، فكيف يقع ما بعدها حالا ؟ والثاني : أنّها مع ما بعدها مؤوّلة بالمصدر ، وهو أشبه بالمضمرات كما تقدّم تحريره ، والحال إنّما تكون نكرة . قال أبو البقاء « 2 » : إلّا أن يقدّر حذف مضاف ، فيجوز ، أي : « وما لكم ذوي ألا تأكلوا » وفيه تكلّف ، فمفعول « تأكلوا » محذوف بقيت صفته ، تقديره : « شيئا مما ذكر اسم اللّه » ويجوز ألّا يراد مفعول ، بل المراد : وما لكم ألا يقع منكم الأكل ، وتكون « من » لابتداء الغاية ، أي : أن لا تبتدئوا بالأكل من المذكور عليه اسم اللّه ، وزعم : أنّ « لا » مزيدة ، وهذا فاسد ؛ إذ لا داعي لزيادتها . قوله : « وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ » قرأ « 3 » ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر : ببنائهما للمفعول ، ونافع ، وحفص عن عاصم : ببنائهما للفاعل ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم « 4 » : ببناء الأوّل للفاعل ، وبناء الثّاني للمفعول ، ولم يأت عكس هذه ، وقرأ عطيّة العوفيّ كقراءة الأخوين ، إلّا أنّه خفف الصّاد من « فصّل » والقائم مقام الفاعل : هو الموصول ، وعائده من قوله : « حَرَّمَ عَلَيْكُمْ » . والفاعل في قراءة من بنى للفاعل ضمير اللّه - تعالى - ، والجملة في محلّ نصب على الحال . فصل في المراد من الآية قوله : « فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ » قال أكثر المفسّرين : هو المراد من قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ في أوّل المائدة [ الآية : 3 ] ، وفيه إشكال ، وهو أنّ سورة الأنعام مكيّة ، وسورة المائدة من آخر ما أنزل اللّه - تعالى - بالمدينة ، فقوله : « فصّل » يجب أن يكون ذلك المفصّل متقدّما على هذا المجمل ، والمدنيّ متأخّر عن المكّيّ ، فيمتنع كونه متقدّما ، ولقائل أن يقول : المفصّل : هو قوله - تبارك وتعالى - بعد هذه الآية الكريمة : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ [ الأنعام : 145 ] ، الآية ، وهي وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل ، إلا أنّ هذا القدر من التّأخير لا يمنع أن يكون هو المراد ، خصوصا أن السّورة نزلت دفعة واحدة بإجماع المفسّرين على ما تقدّم ، فيكون في حكم المقارن .

--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 61 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 259 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 168 . إعراب القراءات 1 / 68 ، إتحاف فضلاء البشر 2 / 29 . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 168 ، المحرر الوجيز 2 / 339 .